أبي حيان الأندلسي
471
تفسير البحر المحيط
إنّ العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم ، وارجعوا إليهم فإنكم غالبوهم تشجيعاً لهم على قتالهم . * ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) * لما رأيا بني إسرائيل قد عصوا الرسول في الإقدام على الجهاد مع وعد الله لهم السابق ، استرابا في إيمانهم ، فأمراهم بالتوكل على الله إذ هو الملجأ والمفزع عند الشدائد ، وعلق ذلك بشرط الإيمان الذي استرابا في حصوله لبني إسرائيل . * ( قَالُواْ يأَبَانَا * مُوسَى * لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ) * لما كرر عليهم أمر القتال كرروا الامتناع على سبيل التوكيد بالموليين ، وقيدوا أولاً نفي الدخول بالظرف المختص بالاستقبال وحقيقته التأييد ، وقد يطلق على الزمان المتطاول فكأنهم نفوا الدخول طول الأبد ، ثم رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومة الجبارين فيها ، فأبدلوا زماناً مقيداً من زمان هو ظاهر في العموم في الزمان المستقبل ، فهو بدل بعض من كل . * ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا ) * ظاهر الذهاب الانتقال ، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة ، ولذلك قال الحسن : هو كفر منهم بالله تعالى . قال الزمخشري : والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسله وقلة مبالاة بهما واستهزاء ، وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وجفائهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل ، وسألوا بها رؤية الله جهرة ، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم . ويحكى أنّ موسى وهارون خرّا لوجوههما ما قدامهم لشدة ما ورد عليهما فسموا برجمهما ، ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى : * ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) * وقيل : يحتمل أن لا يقصدوا الذهاب حقيقة ، ولكن كما تقول : كلمته فذهب يجبيني ، يريد معنى الإرادة والقصد للجواب ، كأنهم قالوا : أريد إقبالهم . والمراد بالرّب هنا هو الله تعالى . وذكر النقاش عن بعض المفسرين هنا أن المراد بالرّب هارون ، لأنه كان أسن من موسى ، وكان معظماً في بني إسرائيل محبباً لسعة خلقه ورحب صدره ، فكأنهم قالوا : اذهب أنت وكبيرك . وهو تأويل بعيد يخلص بني إسرائيل من الكفر . وربك معطوف على الضمير المستكن في اذهب المؤكد بالضمير المنفصل ، وقد تقدّم الكلام على ذلك في قوله : * ( اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) * ورددنا قول من ذهب إلى أنه مرفوع على فعل أمر محذوف يمكن رفعه الظاهر ، فيكون من عطف الجمل التقدير : فاذهب وليذهب ربك . وذهب بعض الناس إلى أن الواو واو الحال ، وربك مرفوع بالابتداء ، والخبر محذوف . أو تكون الجملة دعاء والتقدير فيهما : وربك يعينك ، وهذا التأويل فاسد بقوله فقاتلا . * ( إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) * هذا دليل على أنهم خارت طباعهم فلم يقدروا على النهوض معه للقتال ، ولا على الرجوع من حيث جاءوا ، بل أقاموا حيث كانت المحاورة بين موسى وبينهم . وها من قوله هاهنا للتنبيه ، وهنا ظرف مكان للقريب ، والعامل فيه قاعدون . ويجوز في مثل هذا التركيب أن يكون الخبر الظرف وما بعده حال فينتصب ، وأن يكون الخبر الاسم والظرف معمول له . وهو أفصح . * ( قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى ) * لما عصوا أمر الله وتمردوا على موسى وسمع منهم ما سمع من كلمة الكفر وسوء الأدب مع الله ولم يبق معه من يثق به إلا هارون قال ذلك ، وهذا من الكلام المنطوي صاحبه على الالتجاء إلى الله والشكوى إليه ، ورقة القلب التي تستجلب الرّحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول يعقوب : * ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ ) * وعن علي أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال المنافقين فما أجابه إلا رجلان ، فتنفس الصعداء ودعا لهما وقال : أين تتبعان مما أريد ؟ والظاهر إنّ وأخي معطوف على نفسي ، ويحتمل أن يكون وأخي مرفوعاً بالابتداء ، والخبر محذوف لدلالة ما قبله عليه أي : وأخي لا يملك إلا نفسه ، فيكون قد عطف جملة غير مؤكدة على جملة مؤكدة ، أو منصوباً عطفاً على اسم إنّ أي : وإن أخي لا يملك إلا نفسه ، والخبر محذوف ، ويكون قد عطف الاسم والخبر على الخبر نحو : إن زيداً قائم وعمراً شاخص ، أي : وإنّ عمراً شاخص . وأجاز ابن عطية والزمخشري أن يكون وأخي مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكن في أملك ، وأجاز ذلك للفصل بينهما بالمفعول المحصور . ويلزم من ذلك